09 Feb

عن كلية الهندسة جامعة بغداد


رضا الصخني يكتب عن تلك الايام الخالية

ما الذي بقي منها؟ 

سنوات العشرين او ما دونها او ما بعدها بقليل ؟ شمس الصباحات الباردة و ارتجاف ازهار الجوري امام الفسحة الطينية المحاذية لسورها الفاصل عن السابلة؟ غرورالشذى المتباهي منبعثاً من غرفة البنات؟ حفلات الغداء الضاجة بقرع الاطباق في النادي؟  نشوة النجاح و نغزة الاخفاق عقب الامتحانات التي لم نكن نعلم متى تنتهي؟ اغاني الفتيان وهم ينفسون عن صيحات الرغبات المذعورة ممزوجة بالتمني؟ المسيل الخافت لضوء الفجر على ذرى بابها العالي ينزل رويداً حذراً كأنه جاء يلصّ حجراتها؟ شفق الاماسي  و رجفة الروح في ابتهال موسيقى او انشاد شاعر؟ غبش الليالي يجول في الساحات المحيطة للمكتبة ونحن نتظاهر بالسعي و بذل غاية المجهود؟ اقسامها المتجاورة مثل البيوت البغدادية القديمة؟ صفوفها؟ مختبراتها؟ مراسمها؟ ملاعبها؟

ماالذي بقي من كل ذلك؟

 

يــا دارة الاحـلام هــل بَـــقـِـيـَـتْ               مـِـن أمــس ِ خابــِـيـة ٌ بها خـَـمـــرُ

هـلْ ثــَمّ مِــن بـغـــدادَ أغـنــِـيَـــة ٌ               أو زهــرة ٌ حــمــراءُ أو عــِـــــطــرُ

أو نــجـمــة ٌ تـخـتـــالُ زاهـــِـيـَـة ً              حــتـى كأنَّ وشـــــاحَـهـــا تــِــبــــرُ

 

أين الصوت وأين الصدى؟ أين الوجد وأين الحنين؟ أين الورد وأين الندى؟ أين بوابة المسرّات السرية؟ أين الخوف الغامض يمر من مسارب الروح و يتشظى مثل بقع الضوء عبر تشابك اوراق الشجر؟ اين دموع الفراق الصامتة تملأ دقائق الزمن؟ أين اؤلئك الفتية المفعمين بجمال الشباب وعنفوانه المتغطرس؟ أين المواعيد المتلألئة كالذهب والمغرية كالذهب والمموهة كالذهب ايضاً؟ أين الرفقة ذات الحماسة المتقدة مثل الاتون والصفاء البارد مثل النبع؟ أين عبدالحق و ميسون و طارق و وجدان و وائل وباسمة و حسان و برهان و الهام؟ أين كتب الدراسة المتنقلة بين الايدي كأنها خيام بدوية؟ أين الاساتذة الذين كانوا قريبين كالاصدقاء وبعيدين كالاساطير؟ أين الذي كان ؟

 

بــغــــدادُ ان الذكـريــاتِ بـِـنــــا               مـتــَوقـّـداتٌ مــثــلـمـا الــجــَـمـْـــرُ

ضـمـَّـــتْ أصابـِـعـَـها على زمن ٍ              يـَأبى الغيابَ و ضـَمَّـــهـا صـَـــــدرُ

فـَـكأنـَّـهـا و القـَـلبَ فـي جـَـــدل ٍ               فـَـهـُـوَ الأســـيرُ الآســِــــرُ الـــحـُرُّ

 

هل كان وهماً؟ هل كان حلماً منسوجاً بالاطياف بدّدَهُ رأدُ الضحى؟ هل كان وميضاً من بروق سحابة صيف؟ هل كان خيالاً لسكرةٍ طائشة؟ هل كان إلماحاً غامضاً في تهويمة ظهيرة قائظة؟ هل كان رؤيا غائرة في الشغاف محاها انبهار الوعي؟ هل كان رجاءً مستحيلاً؟ هل كان املاً فِجّاً؟ 

 

شــط َّ الــخـيــالُ بـِـنـا  ووزَّعـنـا               شــطـْـرٌ هـنــاكَ و هـا هـُـنـــا شطرُ

لـكنّـنــا و طـيـــــوفـُـنــا مــعـنــا                سـكـْرى كأنْ قـدْ مـَـسـَّـــنا سـِـحْـــرُ

نمـشــي و دجـلــةُ لا يـُـفــارقــنـا                ألـنـخـْـلُ و الشـِـطـْـئـانُ و النــهـــرُ

و مياهـهُ الكسـلى على مـَـهـَـــل ٍ               تـجـْـري و يَـنـْـعــسُ فـَـوقـَـها جسـرُ

 

كيف انسى احتفال الطيوب بالاردان الهفهافة؟ كيف انسى البهجة في حديقة الزمن؟ كيف انسى آهات الحب الاول؟ كيف انسى الاسى والتأسي؟ كيف انسى عويل الرياح في جنبات الفراغ بعد الرحيل؟ كيف انسى عشق الصبا اليانع؟ كيف انسى ارتواء الورد في الشفاه؟ كيف انسى الشعر السماوي في بروق الرعدة العاطفية؟ كيف انسى انهمار المطر الربيعي و انبلاج نسائم الصيف؟ كيف انسى ليالي الاشفاق في الترقب والتأسف؟ كيف انسى مواعيد الترجي و صلوات التمني و مناهل التأميل؟   

 

ما كـنتُ أنسى رفقة ً رسـَمـَـتْ                   آفـاقــهـا الأحـلامُ و الــشــِـعـْــــــــرُ

و سنينُ (هـندسـةٍ) و ما حفـَـلتْ                   و الخبزُ و الأوراقُ و الحـِــــــــبْــرُ

    

من يعيد اليّ الظمأ؟

من يعيد اليّ السهاد؟

من يعيد اليّ القلق؟

من يعيد اليّ السغب؟   

من يعيد الي الحُرَق؟

من يعيد الي الرواحل؟ 

 

يـــا دارةَ الاحـــلامِ لَــَـجَّ بـِـنــــا                  ذاك الـمَســيرُ و دربــُـهُ الـوَعـْــــــرُ

حـتـى إذا ألـْـقـَـتْ سـَـفـائِـنُـنــــا                 اثـْـقالـهـا و رمـى بـنــــا الـبــحــــــرُ

و تـفـَـرّقـتْ سـُـبُـلٌ بـمـا حَمَــلتْ                 مـِـن عــابــريــنَ و إنـّــهـُـمْ كـُــثـْــــرُ

صــرنـا كـَـأنْ لـمْ نــَجـْتمعْ أبـدا ً                يـــومـا ً كـذلك يـفـْعـَـلُ الـدهــــــــــرُ  

                                             

الزمن؟  ابتدأنا مغرورين غير آبهين له ولا حافلين به وانتهينا وهو ساخر منا غير آبه لنا ولا حافل بنا! 

 

هل ينتقم الزمن منا لأننا تجاهلناه و احتفلنا بغرورنا؟. انه بعد حفنة من السنين ينزوي عنا يتطلع الينا ضاحكاً من تزاحم الاضدادِ.. يوم تسلمنا القوة الى العجز والعافية الى السقام و الذاكرة الى النسيان. ولكنني لا انساها. حتى يومها الاول ما زال غضاً طرياً. كنت فتى غِـرّاً و كانت هي جميلة واعدة وغامضة ايضاً. كانت سنتها الاولى اصعب سنوات الدراسة في حياتي، وفي حياة سواي ايضاً كما اظن. لقد تغير فجأة الشكل والمحتوى. في اليوم الاول بدت اكثر اناقة مما تخيلتها. كان الاساتذة يشتغلون بجد عازمين على طرد ثلث عددنا قبل ان يطأوا اعتاب الصف الثاني. هذه اللعبة يلعبونها كل عام. اتذكر ذات مرة وكنا في درس المساحة في السنة الثانية وكان الصخب عالياً من القسم المجاور قسم الصفوف الاولى وهم يقرعون على رحلاتهم بقوة هاتفين  " احنا الصف الاول احسن الصفوف والمايصدق بينا خل يجي ويشوف " كنا بالطبع مصدقين فقد " شفنا " من قبل كيف يفصل ثلث عددهم. حين تساءل استاذ المساحة عن مصدر الصخب اجابه طالب مرح " لا شئ ذو بال انهم بعض طلاب الصف الاول يحتفلون بتخرجهم!! " و ياله من جواب مفعم بالمعنى.  

 

انه لحق ان نكون  مدينين لها بما علمتنا. لكنه حق ايضاً انها مدينة لنا بما رفعنا من رأسها ليس في العراق بل في كل مكان ذهبنا اليه.  في عام ١٩٩٢ تقدمت للتسجيل في جامعة تورنتو لدراسة الماجستير في الهندسة المدنية. كانوا يريدون معدلاً لا يقل عن ٨٠٪ وكان معدلي يزيد قليلاً عن ٧١٪ فسألت استاذا للدراسات العليا التقيته في نفس القسم عن مدى مشكلتي. بعد ان عرف مكان تخرجي و زمانه قال في حينها هذا اكثر من الثمانين بالمائة الذي نتطلبه!! مرحى كليتنا!! كنا شاغلي الناس مغمورين بالحسد. كلية الهندسة تسابقت مع كلية التربية الرياضية وسبقتها!! في الادب اصدرنا مجلتين مهمتين اثناء دراستي ( النواة ) و ( فكر )، كنت مدير تحرير الاولى و رئيس تحرير الثانية، شارك فيهما طلاب من كليتنا اصبحوا اليوم من اعلام الثقافة العربية فضلا عن عشرات الحفلات الشعرية والموسيقية. كنا ننشر الجمال مقروناً بالتحدي.  على مدى سنواتها تخرج فيها سياسيون وعلماء وفنانون وشعراء  من مفاخر شعبنا استطيع ان اذكر باعتزاز بين اسماء كثيرة عبدالحق العاني تخرج في قسم الهندسة الكهربائية و حصل فيما بعد على الدكتوراه في الهندسة من احدى جامعات لندن ثم حصل على ماجستير في هندسة المعرفة  ثم الدكتوراه في الحقوق من احدى افضل الجامعات في انكلترا و برهان الخطيب الذي تخرج في قسم الهندسة الميكانيكية ثم حصل على الدكتوراه في الاداب في موسكو. الاول الف ونشر عشرات الابحاث في الهندسة والعلوم والادب و الشعر والسياسة بالعربية وبالانجليزية.  والثاني اصدر عدداً كبيراً من الروايات وترجم اعمالا كثيرة الى العربية من الروسية.  وهما بلونين سياسيين مختلفين. مرحى كليتنا!

 

كان اساتذتها، وانا اتحدث عن تجربتي المباشرة في قسم الهندسة المدنية، نموذجاً للمعلم المحب. كانوا آباءً يملأ قلوبهم الحنين. اتذكر كيف عاملنا بود بالغ وعراقية صميمة اساتذة من امثال عادل كمال جميل و مائدة حلمي رفعت و جميل الملائكة و محمد دوغرمجي واحسان شيرزاد و يوسف الدواف. كنت اتمنى ان اذكرهم اسماً اسماً فقد كانوا نهراً جارياً من الخير شربنا منه حتى ارتوينا. 

                                     

ايها الفتى السائر في نومه ينبغي ان تستيقظ فقد ارتفعت شمس الصباح و لم يعد ثمة متسع لأحلام الليلة الماضية. 

 

____________________________________________________

رضا الصخني تخرج في قسم الهندسة المدنية في كلية الهندسة، جامعة بغداد في حزيران ١٩٧٠. اشتغل في بغداد لعام واحد هاجر بعدها الى الكويت حيث تنوعت خبراته العملية و انتهى مديراً شريكاً في احد اكبر مكاتب الهندسة الاستشارية في الشرق الاوسط.  يعيش ويعمل الان في تورنتو، كندا منذ نيّف وعشرين عاماً.